في زمن كان الإيمان فيه يُختَبر بالنار، لا بالكلمات، عاش رجل بسيط المظهر، فقير الثياب، لكنه كان غنياً بالإيمان إلى حدّ جعل الجبل نفسه يتحرك لأجله.
لم يكن راهباً مشهوراً، ولا قائداً روحيّاً عظيماً في أعين الناس بل كان “إسكافياً” يعمل في صمت، يُصلح الأحذية بينما كان الله يُصلح به قلوباً كثيرة.
ذلك الرجل هو القمص سمعان الخراز، الذي صار اسمه شاهداً على واحدة من أعظم معجزات التاريخ الكنسي – معجزة نقل جبل المقطم في القاهرة في القرن العاشر الميلادي.
في عهد الخليفة الفاطمي المعز لدين الله، حاول البعض أن يمتحن إيمان المسيحيين، فطلبوا من البابا أبرآم بن زرعة أن يُظهر صدق إيمانه بكلمة المسيح وينُفذ ما جاء في إنجيل (متى 21: 21) “إن كان لكم إيمان مثل حبة خردل تقولون لهذا الجبل انتقل من هنا إلى هناك فينتقل.”
كان الموقف يبدو مستحيلاً… والخوف يملأ القلوب، شعر الشعب كله أن إيمانهم يُختبر أمام عيون العالم.
فدعا البابا أبرآم إلى صوم وصلاة حارة لمدة ثلاثة أيام، واستجاب الناس بروح واحدة، لأنهم أدركوا أنهم لا يواجهون خطراً عادياً، بل أزمة وجود، إما أن يُعلن الله مجده أو تُمحى شهادتهم أمام الخليفة والعالم.
وفي فجر الليلة الأخيرة، بينما كان الشعب صائماً والكنيسة كلها ترفع صلوات منسحقة، كان البابا يسهر في مخدعه يطلب من الله رحمة ومعونة، وإذ تتراءى له السيدة العذراء مريم وترشده إلى رجل فقير يعمل في مهنة الإسكافية يُدعى سمعان الخراز، وقالت له: “بهذا الإنسان يتمجد اسم ابني.”
التقى البابا بالرجل الفقير كما أرشدته العذراء.
وقال له سمعان: “أصعد يا أبي المكرم إلى الجبل بإيمان وخذ معك رجال الدين والشمامسة والشعب واجعلهم يحملون عالياً الأناجيل والصلبان صارخين كيرياليسون.”
أخبر البابا أبرآم الخليفة أنه مستعد لتنفيذ مطلبه، وفي اليوم الثالث، خرج الخليفة المعز لدين الله الفاطمي ومعه حشد رهيب من رجال حاشيته وعظمائه وجنوده كذلك خرج البابا ومعه عدد كبير من الأساقفة والكهنة والشمامسة والشعب والقديس سمعان جميعاً إلى سفح المقطم، يرنّمون ويرفعون الصلوات صارخين بقلب واحد: “يا رب ارحم”.
وحدث ما لم يتخيله أحد… الأرض اهتزّت، والجبل ارتفع ثلاث مرات أمام أعين الخليفة والشعب، ثم عاد إلى مكانه.
في تلك اللحظة، لم يكن أحد يرى مجد إنسان، بل مجد الله الذي يعمل من خلال أنقياء القلب.
وبعد المعجزة، اختفى سمعان من الأنظار، لم يسعَ إلى مجد أو شهرة، كأنه ذاب في الصمت ليبقى الله وحده ظاهراً.
ويُقال إن جسده دُفن في مغارة بالقرب من موضع المعجزة، حيث شُيِّدت فيما بعد كنيسة القديس سمعان الخراز في المقطم- لتظل شاهدة على الإيمان الذي يُحرّك الجبال.
لكن القصة ليست مجرد حدث تاريخي؛ إنها مرآةٌ لإيمان حيّ.
فسمعان لم يكن يحمل سلطاناً أو علماً، بل قلباً بسيطاً صدّق أن ما يقوله المسيح حق. إيمانه لم يكن صخباً، بل ثقة هادئة في الله القادر على المستحيل.
ربما لا نواجه اليوم جبالاً من حجر، لكننا نواجه جبال الخوف، والشك، واليأس.
إيمان القديس سمعان يقول لنا: “الإيمان لا يُقاس بحجم المشكلة، بل بحجم الإله الذي نؤمن به.”
وكما رفع الله الجبل أمام عيون الناس، يستطيع أن يرفع عنك كل ما يثقل قلبك اليوم.
كل ما يطلبه منك، أن تؤمن… إيماناً بسيطاً، صادقاً، مثل إيمان الإسكافي الذي صار قديساً.
نؤمن أن حين تتحد الكنيسة كلها بإيمان واحد وصلاة صادقة.. تتحرك الجبال من أمامها. فالمعجزات لا تصنعها القوة، بل وحدة القلوب في حضور الله.

No comment