تجديد الذهن – طريق التغيير الحقيقي
أهمية الذهن في الحياة الروحية:
الذهن هو مركز التفكير والتحليل واتخاذ القرار، ومنه تخرج الاتجاهات والسلوكيات. لذلك يؤكّد الكتاب أن الصراع الروحي يبدأ من الفكر. يقول الرسول بولس: “مُسْتَأْسِرِينَ كُلَّ فِكْرٍ إِلَى طَاعَةِ ٱلْمَسِيحِ” (2كو5:10). فالأفكار التي يتبنّاها الإنسان تحدد اتجاه حياته. فإذا كان الفكر مشوَّهًا أو ممتلئًا بالخوف أو الكذب أو الشك، تنعكس تلك الحالة على السلوك. أما عندما يتجدّد الذهن، يتجدّد معه القلب، وتنتقل الحياة كلها إلى مستوى جديد.
معنى تجديد الذهن:
تجديد الذهن لا يعني مجرد اكتساب معلومات دينية جديدة، بل هو تغيير عميق في طريقة التفكير، وانتقال من رؤية بشرية محدودة إلى رؤية إلهية مبنية على الحق. هو عمل يمسّ جذور الفكر، فيحرّر الإنسان من أنماط التفكير القديمة التي شكلها العالم والظروف والتجارب والخبرات. لذلك يحثّنا بولس على أن نخلع “الإنسان العتيق” المرتبط بأفكار قديمة، ونلبس الإنسان الجديد الذي يتشكل بحسب معرفة الله. ويقول الرسول: “تَتَجَدَّدُوا بِرُوحِ ذِهْنِكُم” (أف23:4)، أي أن يكون الفكر مستعدًا أن يتغيّر ويتشكّل من جديد وفق مشيئة الله.
وتجديد الذهن هو العملية التي تُمكّن المؤمن من إدراك إرادة الله، أي أن يرى الأشياء كما يراها الله، ويقيّم الأمور بحسب مقاييس السماء لا بحسب أفكار البشر.
كلمة الله أساس تجديد الذهن:
لا سبيل لتجديد الذهن بعيدًا عن التعرّض المستمر لكلمة الله. فالكلمة تعمل في الداخل كالمرآة تكشف الخطأ، وكالماء تغسل، وكالنور تضيء الطريق. يقول داود: “سِرَاجٌ لِرِجْلِي كَلِمَتُكَ وَنُورٌ لِسَبِيلِي” (مز105:119). فالكلمة تكشف الأكاذيب التي يزرعها العالم والعدو، وتغرس الحق الذي يحرر. صلى الرب يسوع في صلاته الكهنوتية: “قَدِّسْهُمْ بِحَقِّكَ. كَلَامُكَ هُوَ حَقٌّ” (يو17:17). ويضيف داود عن أثر الكلمة: “فَتْحُ كَلَامِكَ يُنِيرُ، يُعَقِّلُ ٱلْجُهَّال” (مز130:119).
ويؤكد الرب يسوع على دور الكلمة في تنقية قلوبنا قائلًا: “أَنْتُمُ الآنَ أَنْقِيَاءُ لِسَبَبِ الْكَلِمَةِ الَّتِي كَلَّمْتُكُمْ بِهَا” (يو3:15). فكلمة الله حية وفعالة، وتصل إلى مفرق النفس والروح والمفاصل والمخاخ، وتميز أفكار القلب ونياته (عب12:4). إذن، كلما اقترب المؤمن من الحق الإلهي، كلما تغير فكره، وأصبح أكثر قدرة على التمييز الروحي، واتخاذ قرارات متوافقة مع فكر الله، وينعكس ذلك بالتالي على سلوكه.
دور الروح القدس في تجديد الذهن:
الروح القدس هو الذي يعمل في الداخل ليحّول الفكر ويغيّر النظرة إلى الحياة. فهو الذي يذكّر بالحق، ويفتح الذهن لفهم الكلمة، ويعطي القدرة على تطبيقها. يقول الكتاب: “وَأَمَّا ٱلْمُعَزِّي، ٱلرُّوحُ ٱلْقُدُسُ… فَهُوَ يُعَلِّمُكُمْ كُلَّ شَيْءٍ وَيُذَكِّرُكُمْ بِكُلِّ مَا قُلْتُهُ لَكُمْ” (يو26:14). وتجديد الذهن هو عمل مشترك بين كلمة الله التي تعطي الحق، والروح القدس الذي يعطي الفهم والقوة لتطبيق الحق. فعندما يضيء الروح القدس على فكر الإنسان، تتغيّر طريقته في تقييم الأمور، وتزداد حساسيته لتمييز مشيئة الله.
فبعمل الروح، تتحول الكلمة من مجرد معلومة إلى إعلان، ومن معرفة ذهنية إلى تغيير عملي. فالروح يعيد تشكيل الأفكار والاتجاهات حتى تتطابق مع ذهن المسيح.
ثمار تجديد الذهن في حياة المؤمن:
عندما يتجدّد الذهن، تتغيّر نظرة الإنسان لنفسه وللآخرين وللظروف. يصبح قادرًا على رؤية المعنى الإلهي خلف الأحداث، فيتصرّف بحكمة ويسلك في سلام. كما ينال قدرة روحية على مقاومة الإغراءات، لأن فكره صار محصنًا بالحق.
فتجديد الذهن له ثمار واضحة في الحياة، تتضمن: تمييز روحي في القرارات، ثبات في الإيمان رغم الظروف، نظرة مقدسة للعالم والقيم، سلام داخلي بدل القلق. فالذهن المتجدد يقود إلى حياة متجددة في كل جانب؛ حياة مرضية لله. “لِكَيْ تَسْلُكُوا كَمَا يَحِقُّ لِلرَّبِّ فِي كُلِّ رِضًى” (كو10:1).
إن تجديد الذهن ليس عملية لحظية، بل رحلة يومية ينمو فيها المؤمن في معرفة الله وفي فهم طرقه. وكلما امتلأ العقل بالحق الإلهي، امتلأت الحياة نورًا واستقامة.
لذلك دعوة الله لنا هي دعوة رجاء، لأن الله قادر أن يجدّد فكرنا ويغيّر دوافعنا ويقودنا في طريق الحق. فلنواصل القرب من كلمته، ولنسمح لروحه القدوس أن يعمل في داخلنا، فنختبر إرادته الصالحة والمرضية والكاملة في حياتنا.

No comment