تخيّل أن تبنى حياتك كلها على فكرة واحدة: أن الله ليس حقيقياً، وأن الإيمان وهمٌ اخترعه الناس ليجدوا عزاءً وسط ألمهم.

هكذا عاش جوش ماكدويل سنوات شبابه الأولى — شاباً ذكياً، طموحاً، لكنه غاضبٌ من العالم، وخصوصاً من فكرة الله.

كان يسأل نفسه بأسى: “إن كان الله صالحاًً، فأين كان عندما كنت أتألم؟”

لم يجد جواباً، فقرر أن يعيش بلا إيمان… بل جعل هدفه أن يُسكت صوت كل من يؤمن. لكن الله كان يخطط لرحلة مختلفة تماماً لهذا القلب المتعَب.

وُلد جوش سنة 1939 في ولاية ميشيغان الأمريكية، في عائلة مليئة بالصراعات. أبوه كان مدمناً على الكحول، عنيفاً في تصرفاته، وأمه عانت من الإهمال والوجع حتى ماتت مكسورة القلب.

أما جوش، فحمل بداخله غضباً عميقاً على الحياة وعلى الله الذي لم يفهمه. وفي الجامعة، حين التقى ببعض الطلبة المسيحيين الذين بدوا له مختلفين في محبتهم وهدوئهم، قرر أن “يُثبت خطأهم” ويبرهن أن المسيحية خرافة.

بدأ رحلة بحث ضخمة — قرأ المخطوطات القديمة، ودرس التاريخ، وراجع الأدلة الأثرية والكتابية، حتى يُسكت كل من يظن أن يسوع قام من الأموات.

لكن المفارقة العجيبة، أنه كلما بحث أكثر، كلّما اكتشف أن الحقائق تقوده نحو الإيمان، لا ضده. أدرك أن القيامة ليست قصة، بل حقيقة موثّقة، وأن المسيح الذي أراد أن يُكذّبه هو الحي الذي يغيّر القلوب.

وفي لحظة مواجهة صادقة مع نفسه، سقطت جدران الشك. جثا على ركبتيه وقال ببساطة: “يا يسوع، أنا لا أستطيع أن أجادلك بعد الآن. أريد أن أؤمن بك.”

ومن تلك اللحظة تغيّر كل شيء! تحوّل جوش من شاب غاضب إلى شاهد حيّ على قوة النعمة.

درس اللاهوت والفكر المسيحي، وكرّس حياته للدفاع عن الإيمان بعقلٍ منفتح وقلب مليء بالمحبة. كتب أكثر من 150 كتاباً وتم تُرجمتهم إلى عشرات اللغات، من أهمها: “برهان يتطلب قراراً” و “كتاب وقرار”.

لكن تأثيره لم يكن في كتبه فقط، بل في حياته البسيطة الصادقة. كان يقف أمام آلاف الشباب حول العالم، يخبرهم أنه هو أيضاً شك، وغضب، وسقط، لكن المسيح غيّر جراحه إلى رسالة، ودموعه إلى نورٍ يقود الآخرين.

قصة جوش ماكدويل ليست حكاية عالم اكتشف أدلة، بل قصة إنسان جريح اكتشف أن الله لم يبتعد عنه يوماً. علّمتنا حياته أن الإيمان لا يعني غياب الأسئلة، بل الثقة بأن لله إجابة أعمق من أسئلتنا.

ربما نحن أيضاً نحمل شكوكاً أو خيبات قديمة، لكن الله قادر أن يستخدم جراحنا ليصنع منها شهادةً جديدة. فمن كان بالأمس يرفض الإيمان، صار اليوم سبب إيمان لملايين حول العالم.

وهذا هو الدرس الذي يهمّنا جميعاً: أن الله لا يطلب منك أن تكون بلا ضعف، بل أن تسمح له أن يدخل إلى ضعفك… ويحوّله إلى نور.

No comment

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *