الصلاة هي الاتصال الروحي والتواصل الحميم مع الله. وهي من أهم الانضباطات الروحية، حيث أنها تدخل بنا إلى الأقداس وتجعلنا في شركة مستمرة مع الآب.

الصلاة فعل إلهي بشري؛ فهي نداء إلهي وتجاوب بشري، فالله هو البادىء (إشعياء 65: 2). وهي تصل إلى قوتها وعمقها كتواصل حقيقي بالله إذا أدرك الإنسان نفسه كصورة الله وأنه يستمد كينونته منه. فتكون النفس البشرية قد اتصلت بمصدرها، فتدرك وتشعر بذات الله.

وهدف الصلاة هو دخول الإنسان في شركة مع الله المحب مرة ثانية وإلى الأبد. ففي الصلاة الله هو المُنادي كخالق وأب. لذلك يجب أن نبدأ الصلاة بالشكر الوفير لله الذي تنازل ودعانا للحديث معه. كما يجب أن نمجد الله ونعترف بخطايانا ونتوب إليه لكي تتطهر قلوبنا ويرتاح الله فينا.

وتبلغ الصلاة ذروة أهدافها بأن تكون ذبيحة محبة واتضاع، تجهيزا للشركة مع الله. وفي الصلاة تقف النفس، بواسطة عمل تجديد الروح القدس، أمام الخالق، فتستمد صورة بنويتها من المسيح، وتتقدم إلى الله الآب بجرأة كمدعوة في كل وقت، وكخليقة منجذبة نحو خالقها بطريقة دائمة، أو كابن يجد راحته في حضن أبيه. وفي الصلاة يحقق الإنسان الهدف من خلقته، وهو الإتحاد بالله.

الصلاة هي الوسيلة الإلهية لتغييرنا وتجديد أفكارنا وقلوبنا واتجاهاتنا. ففيها نعاين مجد الله في وجه يسوع المسيح، فنتغير إلى تلك الصورة عينها بعمل الروح القدس (2 كورنثوس 3: 18). ففي الصلاة ندرك قلب الله فنصير أكثر شبهًا بالسيد المسيح.

وللروح القدس دور هام في الصلاة، فهو يعين ضعفاتنا ويعلمنا ما نصلي لأجله، كما يشفع فينا بأنات لا ينطق بها، فتكون صلواتنا بحسب قلب الرب فننال الاستجابة (رومية 8: 26). فنحن ندرك هبات الله وعطاياه من خلال عمل الروح القدس في الصلاة (1 كورنثوس 2: 12).

وفي الصلاة ندرك رغبة ومشيئة الرب ونرى الأمور بوجهة نظره، وهنا نتعلم كيف نصلي بحسب مشيئة الله، منقذين من أهوائنا وشهواتنا الشخصية. ويعلمنا الرسول يوحنا أننا إذا طلبنا شيئًا بحسب مشيئة الله تُعلَم طلباتنا لديه وننال الاستجابة (1 يوحنا 5: 14). وهذا يتفق مع ما قاله الرسول يعقوب أننا لا ننال ما نطلب لأننا نطلب من شهواتنا ورغباتنا الشريرة (يعقوب 4: 3). فالصلاة تضبط توجهات قلوبنا وتنقينا لنكون حاملين قلب الله وسائلين إرادته لا إرادتنا.

ولقد كان السيد المسيح يصلي إلى الآب ويُبكر إليه (مرقس 1: 25)، لذلك كان يتكلم بكلام الآب ويعمل أعماله. كما كان داود يُبكر إلى الله (مزمور 63: 1)، وقال عن نفسه: «أما أنا فصلاة» (مزمور 109: 4). ففي مواجهة كل التحديات كان داود يلجأ إلى الله بالدعاء والشكوى والتسبيح وطلب المشورة والتوجيه، وكان دائمًا يتلقى الجواب الإلهي والقيادة الإلهية.

وعلينا أن نصلي كل حين بدون ملل، راسخين في الرب وكلمته (يوحنا 15: 6). فلقد دعانا الرب يسوع للسهر والصلاة المستمرين لئلا ندخل في تجربة (متى 26: 41)، وأكد على التلاميذ ضرورة السهر والصلاة لأنهم لا يعلمون وقت المجيء الثاني (مرقس 13: 33). كما أوصى الرسول بطرس بالسهر والصلاة لكي نُنقذ من إبليس الذي يجول كأسد ملتمسًا من يبتلعه (1 بطرس 5: 8). ويجب ألا ننتظر حتى نشعر بالحماسة والميل للصلاة.

ويجب أن نصلي ونحن مدركين أننا عاملون مع الله، وأن هناك نتيجة لصلواتنا (1 كورنثوس 3: 9). فالرسول بولس يقول: «لا تهتموا لشيء، بل في كل الظروف صلّوا شاكرين لتُعلَم طلباتكم» (فيلبي 4: 6). فنحن نصلي بلا هم، واثقين في إلهنا الذي يستجيب لنا. فنحن نقترب إليه بدالة أولاد نحو أبيهم المحب الذي لا يتغير قلبه نحوهم، بل يعطيهم أفضل ما لديه (متى 7: 11).

فالثقة في محبة الرب وصلاحه تجعلنا نقترب نحوه بلا خوف. وفي الجانب الآخر، هذه مسئولية كبيرة علينا، لأن الله يضع على عاتقنا الصلاة لأجل الأمم والشعوب. كما علينا أن نصلي من أجل الخدمات الكنسية، سواء الخدام أو الاجتماعات أو الكرازة. فلقد صلى بولس لأجل الكنائس، كما طلب من الكنائس أن تشاركه الصلاة (2 كورنثوس 1: 11).

هناك الكثير من العائلات والبيوت والشباب والكنائس التي تحتاج لصلواتنا الشخصية والجماعية لكي يفتقدها الله برحمته، فالصلاة هي القوة المغيّرة للعالم.

الصلاة الحقيقية شيء يجب أن نتعلمه، فلقد طلب التلاميذ من الرب يسوع أن يعلمهم كيف يصلون (لوقا 11: 1). ويمكننا تعلم الصلاة من خلال الكتاب المقدس، وذلك بدراسة المقاطع التي تتكلم عن الصلاة واستقاء التعاليم منها، وكذلك بتتبع سيرة الأشخاص المُصلين في الكتاب المقدس مثل إيليا وحنة وبولس وموسى. وأيضًا من خلال دراسة الكتب التي تتحدث عن موضوع الصلاة، كما يمكننا الاستعانة بأشخاص مصلين ليعلمونا عن حياة الصلاة من خلال خبراتهم.

No comment

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *