كانت تُصلي كما يتنفس الإنسان، لا ترفع كلمات إلى السماء بقدر ما كانت تعيش فيها.
في وجهها كنت ترى السلام، وفي عينيها ترى الإيمان الذي لا يعرف شكاً، لم تكن تبحث عن شهرة ولا عن أتباع، لكنها صارت رمزاً لجيـل كامل تعلّم منها أن الله لا يُكتَشف بالكلام بل بالحياة، إنها تماف إيريني، الأم التي حملت الرهبنة في مصر إلى عمق جديد من النعمة والاتضاع والمحبة.
وُلدت في القاهرة عام 1936 بإسم فهيمة رزق، في أسرة بسيطة متدينة.
منذ طفولتها كانت تميل إلى الصلاة والصمت أكثر من اللعب، وكأن قلبها كان يسمع نداءً من السماء قبل أن تسمعه أذناها.
في سن المراهقة، اختارت طريقاً مغايراً لما هو متوقّع، تركت أحلام الزواج والعائلة، وذهبت إلى دير القديسة دميانة في براري بلقاس، لتبدأ رحلة الطاعة الكاملة لله.
كانت الرهبنة بالنسبة إليها ليست هروباً من العالم، بل دخولاً إلى عمق العالم الحقيقي، عالم النعمة والصلاة. في الدير، عُرفَت بتواضعها الشديد، وبساطتها التي تخفي قوة روحية عجيبة. كانت تُصلي ساعات طويلة في الليل، وتبكي في حضور الله كما تبكي طفلة في حضن أبيها.
من هذا العمق الروحي، صارت صوتاً للرحمة والتوبة والسلام لكل من عرفها.
حين أُختيِرت رئيسة لدير القديسة دميانة، لم تغيّرها المسؤولية بل ظلت الأم التي تخدم قبل أن تقود، تمسح دموع الراهبات وتشاركهنّ العمل والصلاة، لكن ما جعلها فريدة لم يكن منصبها، بل حياتها مع الله التي فاضت بمعجزات حقيقية – شفاءات، رؤى، واستجابات صلاة لا تُحصى. كثيرون شهدوا عن زياراتها في الأحلام، وعن كلماتها التي كانت تأتي في الوقت المناسب لتردّ نفساً من الضياع.
كانت تماف إيريني ترى في الألم طريقاً إلى الفرح الحقيقي، علّمت أن الصلاة ليست هروباً من التجارب، بل اتحاداً بالمسيح.
كانت تقول دائماً: “الصلاة تغيّر كل شيء، حتى القلب الذي يصلي”، هذه العبارة صارت شعاراً لكثيرين بعد رحيلها.
لم تكن تماف متعلمة لاهوتياً، لكنها كانت تعرف الله معرفة الأصدقاء، كانت تصلي لأجل الكنيسة، لأجل الوطن، لأجل كل إنسان يتألم. وكانت ترى في كل واحدٍ صورة المسيح حتى الذين أساؤوا إليها، كانت تردّ عليهم بالمحبة والصلاة.
كانت تُعلّم الراهبات أن الاتضاع هو أقصر طريق إلى السماء، وأن الخدمة الحقيقية هي أن تُحب بلا شرط.
رحلت تماف إيريني إلى السماء عام 2006 لكن حضورها لم يرحل، لا يزال دير القديسة دميانة ينبض بروحها، وصوتها ما زال يهمس في قلوب كثيرين: “اتكلوا على الله، لا على قوتكم، فهو القادر أن يحوّل الضعف إلى مجد.”
من يقرأ سيرتها اليوم لا يمكنه أن يتعامل معها كقصة من الماضي، بل إنها دعوة حية لكل قلب عطشان، أن يبدأ من جديد… أن يعود إلى الصلاة… أن يختبر الله في البساطة والطاعة والاتضاع.
تركت لنا تماف إيريني درساً خالداً، أن القداسة ليست بعيدة، إنها تبدأ حين تقول لله بصدق:
“لتكن مشيئتك.”


No comment