في زمن لم تكن فيه الأضواء تلاحق الرهبان، عاش رجل جعل من الخفاء طريقاً إلى النور، ومن الصمت لغة أقوى من كل الخطب.
هو القمص عبد المسيح الحبشي، أحد أعمدة البرية القبطية في القرن العشرين، وواحد من أولئك الذين لم يُكتب عنهم كثير، لأن حياتهم كانت هي الرسالة.
وُلد في الحبشة (إثيوبيا)، وجاء إلى مصر منذ صباه، حيث جذبته رائحة القداسة التي كانت تملأ الأديرة، فالتحق بدير البرموس في برية شيهيت – هناك حيث يذوب الإنسان أمام عظمة الله ويُعاد تكوينه بالنعمة.
لم يكن تعليمه عالياً، لكنه كان تلميذاً في مدرسة الروح، يعرف الله لا بالكلمات، بل بالدموع التي تسقط في صلاته كل فجر.
كان طويل الصمت، قليل الحديث، لكنه إن تكلّم، خرجت كلماته كشرارة تضيء القلب.
عاش حياة الزهد والبساطة المطلقة، يلبس ثياباً بسيطة، ويعيش في قلاية تكاد تخلو من أي شيء سوى الإنجيل وصليب خشبي صغير.
كان يصلي بالساعات، لا يطلب شيئاً إلا أن يغمر الله قلبه، كما كان يقول.
ويحكي الرهبان أنه كان يشعر بحاجات الآخرين قبل أن يطلبوها.
كان يصلي من أجل المرضى، ويُستجاب له كثيراً.
وحين يسأله أحدهم عن سر القوة في صلاته، كان يبتسم ويقول بهدوء:
“الصلاة التي تخرج من القلب المكسور لا تضل طريقها إلى السماء.”
كان محبوباً من الجميع – من الرهبان والزوار والفقراء.
لم يكن يملك شيئاً، لكنه كان يعطي سلاماً لا يُقدّر بثمن.
وكان يقول دائماً: “يا ابني، لا تطلب من الله أن يُعطيك، بل اطلب أن يُقيمك في حضرته، فهناك كل شيء.”
وعندما تقدّم في العمر، ظلّ ثابتاً على نفس النسك، لا يتهاون في صلاته ولا طعامه ولا صمته.
كان كثيراً ما يُرى في منتصف الليل ساجداً على الأرض، يهمس بأسماء الناس الذين طلبوا منه الصلاة، وكأنه يحملهم واحداً واحداً أمام الله.
رقد في الرب في هدوء، كما عاش.
لم يُقم له تمجيد ضخم، ولم تُرفع له لافتات، لأن حياته كانت تمجيداً دائماً لله.
لكن ذكراه بقيت كعطر لا يزول، يذكّر كل من يعرفه أن القوة الحقيقية ليست في الجسد، بل في الروح التي تعرف كيف تسجد.
قصة القمص عبد المسيح الحبشي ليست مجرد سيرة راهب،
بل هي نداء لكل قلب عطشان أن الصلاة ليست كلمات تُقال، بل حياة تُعاش.
فحين يعيش الإنسان بالإيمان والبساطة، تتحوّل كل قلاية إلى سماء، وكل همسة إلى صلاة تفتح أبواب الرحمة.


No comment